السيد المرعشي

51

شرح إحقاق الحق

الكتب العلمية - بيروت سنة 1406 ) قال : وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : أدخلت لساني في فمي فانفتح في قلبي ألف باب من العلم مع كل باب ألف باب ، وقال : لو وضعت لي وسادة وجلست عليها لحكمت لأهل التوراة بتوراتهم وأهل الإنجيل بإنجيلهم ولأهل القرآن بقرآنهم . ومنهم العلامة حسام الدين المردي في " آل محمد " ( ص 44 ) قال : قال علي : العلم نقطة كثرها الجاهلون ، والألف واحدة عرفها الراسخون ، والياء مدة قطعها العارفون ، والجيم حضرة تأهلها الواصلون ، والدال درجة قدسها الصادقون . ومنهم العلامة شمس الدين أبو البركات محمد الباعوني الشافعي في كتاب " جواهر المطالب في مناقب الإمام أبي الحسنين علي بن أبي طالب " ( ق 40 والنسخة مصورة من المكتبة الرضوية بخراسان ) قال : وعنه [ علي عليه السلام ] قال : قلت : يا رسول الله أوصني ، قال : قل : ربي الله ثم استقم ، فقلت : ربي الله وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ، فقال : ليهنك العلم أبا الحسن لقد شربت العلم شربا . أخرجه البحري والرازي وزاد : وبهلته بهلا ( 1 ) .

--> ( 1 ) قال الفاضل المعاصر أبو بكر جابر الجزائري في كتابه " العلم والعلماء " ( ص 172 ط دار الكتب العلمية - بيروت ) : إن علم علي رضي الله عنه لا يشك فيه أحد من المسلمين ، وكيف وقد اعترف له عمر رضي الله عنه وكبار الصحابة أما الفتيا فقد انتهت إليه في زمانه كله ، وما ينازعه فيها أحد ، وكيف لا ، وقد لازم رسول الله صلى الله عليه وسلم من فجر النبوة إلى غروب شمسها بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولم يفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم في حضر ولا سفر إلا ما كان من استخلافه على المدينة عند خروجه إلى تبوك مع ربانية علي وذكائه ، وسلامة صدره وإصالة محتده ، فهو عالم قريش وسيد بني هاشم ولا منازع . وقال الدكتور أبو الوفاء الغنيمي التفتازاني المصري في " المدخل إلى التصوف " ( ص 53 ط دار الثقافة بالقاهرة ) : فقد قال عنه أبو علي الروذباري ، أحد كبار أوائل الصوفية : ذاك امرؤ أعطي العلم اللدني أي العلم الذي هو من لدن الله ، أي من عند الله ، والعلم اللدني هو العلم الذي خص به الخضر عليه السلام ، قال الله تعالى : ( وعلمناه من لدنا علما ) . ويقول الطوسي في اللمع : ولأمير المؤمنين علي رضي الله عنه خصوصية من بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعاني جليلة ، وإشارات لطيفة ، وألفاظ مفردة ، وعبارة وبيان للتوحيد والمعرفة والإيمان والعلم ، وغير ذلك ، وخصال شريفة ، تعلق وتخلق به أهل الحقائق من الصوفية . وقال العلامة حسن بن المولوي أمان الله الدهلوي العظيم آبادي الهندي في " تجهيز الجيش " ( ق 408 المخطوط ) : قال صاحب " المواقف " في وجوه أفضلية علي بن أبي طالب ما لفظه : ولأن عليا ذكر في خطبه أسرار التوحيد والعدل والنبوة والقضاء والقدر ما لم يضع مثله في كلام سائر الصحابة - إلى آخره . وقال الفاضل المعاصر الدكتور عبد الرحمن سالم في " التاريخ السياسي للمعتزلة " ( ص 232 ط دار الثقافة بالقاهرة ) : يرتبط تفضيل المأمون لعلي على سائر الصحابة بنفس السنة التي أظهر فيها المقول بخلق القرآن ، بل بنفس الشهر أيضا . وقد كان هذا التفضيل سببا لإغراء بعض المؤرخين القدامى والباحثين المحدثين بنسبة المأمون إلى التشيع . وليس أبلغ في رد هذا الزعم من عرض مذهب المأمون في تفضيل علي عرضا أمينا . وخير ما يصور هذا المذهب هو تلك المناظرة الطريفة التي أوردها صاحب العقد الفريد بين المأمون وعدد من الفقهاء حول أفضلية علي ، وليس هنا متسع رواية نصها نظرا لطولها ، فمن الأنسب تلخيصها تلخيصا لا يخل بجوهرها ، فقد طلب المأمون من قاضي قضاته يحيى بن أكثم أن يصحب إليه أربعين رجلا كلهم فقيه يفقه ما يقال له ويحسن الجواب . فدخلوا على المأمون وعليه سواده ، فهو إذن قد خلع الخضرة ورجع إلى شعار آبائه ، فلما جلسوا وطارحهم المأمون حديثا يزيل به وحشتهم ذكر لهم السبب الذي دعاهم من أجله وهو مناظرتهم في مذهبه الذي هو عليه والذي يدين الله به ومؤداه أن علي بن أبي طالب خير خلفاء الله بعد رسوله صلى الله عليه وسلم وأولى الناس بالخلافة له . فلما اعترض أحد الفقهاء واسمه إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل على هذا المذهب دخل معه المأمون في مناظرة طويلة بدأت بتقرير مبدأ أساسي هو أن محك التفاضل بين الناس : العمل الصالح . وانطلاقا من هذا المبدأ أخذ المأمون يوازن بين فضائل علي وفضائل غيره من الصحابة . وانتهت به الموازنة إلى أن فضائل علي أثقل ميزانا من فضائل سواه ، فقد كان على أسبق إسلاما وأكثر جهادا في سبيل الله وأسخى بما ملكت يمينه ، وهو الذي نزل فيه قوله تعالى : ( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ) . كما ثبت على يوم حنين مع ستة آخرين كلهم من بني هاشم وانهزم الباقون عن الحرب بما اكتنفه من مخاطر محدقة فدائية لا تدانى . وقد كانت موازنة الرسول . ثم إن مبيته في فراش رسول الله حين هاجر إلى المدينة بما اكتنفه من مخاطر محدقة فدائية لا تدانى . وقد كانت موازنة المأمون في الغالب تدور حول على وأبي بكر لما يتمتع به الصديق من مكانة ظاهرة في قلوب المسلمين ، فأفضلية علي على أبي بكر تعني بالضرورة أفضليته على غيره من الصحابة . والملاحظ أن المأمون حين يوازن بين علي وأبي بكر ويفضل عليا لا ينكر فضل أبي بكر بل ينكر أفضليته ، وذلك حيث يقول : لولا أن له فضلا لما قيل إن عليا أفضل منه . وبعد أن يفرغ المأمون من مناظرته مع الفقهاء ويبدي الفقهاء اقتناعهم بوجهة نظره يعقب قائلا : اللهم إني قد نصحت لهم القول ، اللهم إني قد أخرجت الأمر من عنقي ، اللهم إني أدينك بالتقرب إليك بحب علي وولايته . إن ما يلفت النظر في هذه المناظرة الهامة هو أن المأمون لا يتخذ قرابة علي من الرسول أساسا للتفضيل ، بل يتخذ العمل الصالح وحده أساسا لذلك . وقال المؤرخ الفاضل الشيخ محمد العربي التباني مدرس مدرسة الفلاح والحرم المكي في " تحذير العبقري من محاضرات الخضري أو إفادة الأخيار ببراءة الأبرار " ( ج 2 ص 104 ط دار الكتب العلمية - بيروت ) : تقدمت آثار كثيرة دالة على غزارة علمه واعتراف الصحابة والتابعين له بذلك وثنائهم عليه في مقدمتهم الفاروق ، وتقدم أيضا حديث أنا مدينة العلم وعلي بابها ، وهذا الحديث رواه الطبراني في الكبير وأبو الشيخ في السنة والحاكم في المستدرك وصححه عن ابن عباس مرفوعا وحكم عليه بن الجوزي بالوضع ورد عليه الحافظ العلائي ردا علميا وقال : الصواب إن الحديث حسن وبهذا أفتى الحافظ ابن حجر من سأله عنه فقال : الصواب خلاف قولهما وإن الحديث من قسم الحسن لا يرتقي إلى درجة الصحة ولا ينحط إلى درجة الوضع . وقال الفاضل المعاصر الشريف علي فكري ابن الدكتور محمد عبد الله الحسيني القاهري المولود بها سنة 1296 والمتوفى بها أيضا سنة 1372 في كتابه " أحسن القصص " ( ج 3 ص 205 ط دار الكتب العلمية في بيروت ) : علمه : أما علمه كرم الله وجهه ، فمما لا جدال فيه ، يشهد بذلك قوله صلى الله عليه وسلم أنا مدينة العلم وعلي بابها وهذا حديث حسن أخرجه الترمذي ، وتشهد بذلك آثاره من وعظ ، وخطب ، ونثر ونظم ، وبدائع وحكم ، كلها مدونة في كتبه المشهورة المنشورة بين الأمم مثل نهج البلاغة وغيره . وهو أول من ابتدع علم النحو وأنشأه ، وأملى على أبي الأسود الدؤلي قواعده وأصوله ، وقال له أنح هذا النحو يا أبا الأسود ، وكان أفصح الفصحاء ، وأبلغ البلغاء وأخطب الخطباء . وكان رضي الله عنه أبرع الصحابة في علوم الدين ، إماما ثبتا في الفقه والتفسير حجة في الفتوى ، ليس أدل على ذلك من أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجع إليه في كثير من المسائل التي أشكلت عليه وعلى غيره من الصحابة ، وقال غير مرة : لولا علي لهلك عمر ، وقال : لا يفتين أحد في المسجد ، وعلي حاضر ، وقال : اللهم لا تبقني لمعضلة ليس لها أبو الحسن ، والدليل على ذلك القصة الآتية التي تدل على حذقه وعلمه : روي أن رجلا أتى به إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وكان صدر منه أن قال لجماعة من الناس وقد سألوه ، كيف أصبحت ؟ قال أصبحت أحب الفتنة ، وأكره الحق ، وأصدق اليهود والنصارى ، وأؤمن بمن لا أرى ، وأقر بما لم يخلق ، فأرسل عمر إلى علي عليه السلام فلما جاءه وأخبره بمقالة الرجل فقال : صدق . 1 - يحب الفتنة لقوله تعالى : ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) التغابن . 2 - ويكره الحق ، يعني الموت لقوله تعالى : ( وجاءت سكرة الموت بالحق ) . 3 - ويصدق اليهود والنصارى لقوله تعالى : ( وقالت اليهود ليست النصارى على شئ وقالت النصارى ليست اليهود على شئ ) البقرة 4 - ويؤمن بما لم يره ، أي يؤمن بالله عز وجل . 5 - ويقر بما لم يخلق يعني الساعة . فقال عمر : أعوذ بالله من معضلة لا علي لها . وقال المرحوم الشيخ محمد عبد المطلب في قصيدته المشهورة بالعلوية في مدح سيدنا علي بالعلم : وسل أهل السلام تجد عليا * أمام الناس يبتدر السلاما حوى علم النبوة في فؤاد * طما بالعلم زخارا فطاما سقاه الحق أفواق المعاني * وهيمه به حبا فهاما وزوده اليقين به فكانت * أفاويق اليقين له قواما رمى في عالم الأنوار سبحا * إلى سوح الجلال به ترامى وقال الفاضل المعاصر أحمد حسن الباقوري المصري في " علي إمام الأئمة " ( ص 29 ط دار مصر للطباعة ) فكل فقيه في الإسلام مستفيد منه [ علي عليه السلام ] وعيال عليه فما أصحاب أبي حنيفة محمد وأبو يوسف فقد أخذوا عن أبي حنيفة ، والشافعي قرأ على محمد بن الحسن ففقهه راجع إلى أبي حنيفة ، والإمام أحمد بن حنبل قرأ على الشافعي ، راجع أيضا إلى أبي حنيفة ، ثم إن أبا حنيفة نفسه قرأ على جعفر الصادق ، وقرأ على أبيه محمد الباقر ، وقرأ الباقر على علي زين العابدين وهو ابن الحسين ، والحسين بن علي رضي الله عنهم أجمعين . ومالك بن أنس إمام المدينة المنورة قرأ على ربيعة الرأي ، وقرأ ربيعة على عكرمة ، وقرأ عكرمة على عبد الله بن عباس ، وقرأ ابن عباس على الإمام علي . فالإمام رضي الله عنه شيخ الفقه السني : أبي حنيفة ، ومالك والشافعي ، وابن حنبل ، ثم هو أيضا شيخ فقهاء الشيعة . وليس يخفى عليك أن ثمة رجالا أعظم منزلة وأرفع قدرا من هؤلاء الأئمة وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كانوا يرجعون إلى الإمام رضي الله عنه ويأخذون برأيه ثقة به واطمئنانا إلى علمه الذي أكرمه الله به في الالمام بشؤون الدنيا وشؤون الدين . وليس يغيب عن البصراء بالتشريع الإسلامي ما يرويه الإمام ابن القيم عن مسروق من قوله : شاممت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فوجدت علمهم ينتهي إلى ستة : علي ، عبد الله ، زيد بن ثابت ، أبي الدرداء ، أبي بن كعب ، ثم شاممت هؤلاء الستة فوجدت علمهم ينتهي إلى علي . وقد كان عمر يرجع إلى الإمام في كثير من المسائل التي تشكل عليه وعلى غيره من الصحابة ، حتى كان يقول : لولا علي لهلك عمر . ثم يقول لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو حسن . وقد نهى رضي الله عنه أن يفتي أحد في المسجد وعلي حاضر . وبالتأمل في هذه المعاني يعرف أهل الإنصاف أن الفقه قد انتهى إليه حتى لقد كان يروي العامة والخاصة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : أقضاكم علي . ومعروف أن القضاء هو الفقه فعلي إذن أفقههم أجمعين ولما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضيا دعا له : اللهم اهد قلبه وثبت لسانه ، يقول الإمام كرم الله وجهه : إنني بعد هذه الدعوة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شككت في قضاء بين اثنين قط .